الشيخ محمد تقي الفقيه

114

مبانى الفقيه

المبحث الثالث : يشترط في منجزية العلم الإجمالي أن يكون منجزا على كل تقدير ، فلو لم يكن كذلك لم يكن منجزا ، بمعنى أنه على تقدير كون النجاسة في الإناء الأيمن يجب الاجتناب عنه ، وعلى تقدير أنها ليست فيه بل في الأيسر يجب الاجتناب عنه ، وأما لو لم يكن كذلك فإن الاحتمال لا يكون منجزا على كل تقدير ، وتظهر الثمرة في موارد : منها : أنه لو كان مضطرا لشرب أحد المائعين المعيّن قبل تنجز العلم الإجمالي ، ثم وقعت نجاسة في أحدهما المردد ، لم يكن العلم الإجمالي منجّزا ، لأن ما يجب ارتكابه للاضطرار لا يكون حراما في حال من الأحوال ولا يصح النهي عنه ، وما يكون كذلك لا مجال لجريان الأصول المرخصة فيه ، لأنها إنما تجري في مشكوك الحكم ، وهو ليس كذلك ، وأما الإناء الآخر فإنها تجري فيه بلا معارض . وأما لو كان العلم الإجمالي منجّزا كما لو علم بنجاسة أحد الإنائين ثم أجرى الأصول وتعارضت ثم اضطر إلى ارتكاب أحدهما المعين ، فإن العلم الإجمالي لا ينحل بعد تنجزه ، ويبقى المكلف مخاطبا بترك الفرد الأول ، والسّر في ذلك أن الأصول إذا تعارضت وسقطت لا تجري مرة أخرى : إما لأن ذلك هو المنصرف من أدلتها ، وإما لأن الأصول إذا سقطت ماتت ولم تعد ، وإما لأن العقل حكم قبل الاضطرار بالتنجز وبوجوب اجتناب الطرفين ، والعقل إذا حكم لا يرفع يده إلّا بدليل ، وإما - وهو الحق - لأن الأدلة إذا طبّقت لم يبق مجال لتطبيقها مرة أخرى على نفس موردها ، فإن كلا من الأمر والنهي متعلق بالطبيعة « 1 » ، فإذا

--> ( 1 ) - قاعدة : لا ريب أن الأمر والنهي وغيرهما من الأحكام متعلق بالطبائع ، ولا ريب أن الطبيعة إذا وجدت أو انعدمت لا تقبل الوجود والانعدام مرة أخرى فإذا قال المولى للعبد اذبح الشاة فذبحها أو قال له احضر الماء فأحضره لم يبق مجال للذبح والإحضار مرة أخرى ، وهذا في مثال الذبح والإحضار واضح جدا ، ولا فرق في ذلك بين التكوينيات كالذبح والإحضار والتشريعيات كما لو أمره بالصلاة فصلى أو قال له لا تفعل فلم يفعل ، ومن هذا